الثورة 3.0 – مشروع (جيزي) الى مصر

Image

“PM did not kick us out of the park, he made everywhere a Gezi Park”.

بدأ الأمر في 28 مايو الماضي, عندما تصدى 50 ناشط بيئي لعمليات الانشاء المخطط لها بحديقة جيزي بميدان تقسيم الشهير بمدينة أسطنبول التركية, ذلك الحدث “الجانبي” كان مبرر لقيام تحرك مدني واسع شمل عدة مدن تركية رئيسية, وكان فرصة لكثير من التيارات المعارضة لنظام أردوجان للتعبير عن مطالبها وطموحتها للشعب التركي التي يعارضها الحزب الحاكم.

استمرت المناوشات والمظاهرات والاعتصامات على مدار شهر تقريبا في عدة مدن تركية, انتهت الاحداث ظاهيرا في الثالث من يوليو باعلان الحكومة الغاء خطة الانشائات, لكن الجمهور التركي الذي خرج في الشوارع ليعبر عن رفضه للنظام كان على موعد مع ابتكار طريقة أخرى لاستكمال نضاله السلمي بعد ما خسر 7 شهداء, و12 شخص فقدوا اعنيهم بين اكثر من 4 الاف مصاب كانوا ضحايا العنف البوليسي.

“الحدائق لنا” كان هذا عنوان ال “هاش تاج” الذي استخدم لدعوة الناس للانضمام لهذا الابتكار, ترك المشاركون اعلام احزابهم وايدولوجياتهم ودخلوا ليشاركوا في الندوات الشعبية التي سوف تناقش قضايا الخلاف الرئيسية بين التيارات الاجتماعية و السياسية الموجودة في البلاد, تعطي الندوة الفرصة للجميع كي يشاركوا, يخرج كل مواطن ليتحدث عن رأيه  في قضية او يطرح حلا لمشكلة, يتفاعل معه الجمهور في اشارات صامتة احتراما لسكان المنطقة المحيطه, 70 حديقة على مستوى تركيا – احصاء غير رسمي – نشأت فيها الفكرة و يتسع نطاقها.

وقف خلف هذة الفكرة عدة أسباب:

أولا:  هو تطوير الصراع مع السلطة, بداية من غلق الباب أمام المواجة العنيفه مع النظام, تجنب لغة الدم والقوة, تعلم النشطاء ان هذا الطريق ليس الاصلح, ان حياتهم أثمن من ان تكون معبرا لتغيير, ان قدراتهم تقدر على تقليل الخسائر, ارادوا تفويت الفرصة على النظام على تقنين العنف الشرطي واشاعة استعراض قوته.

ثانيا: ادراك ان ازاحة النظام تبدأ بتكوين وعي وتكتل سياسي معارض قوي, وان التيارات السياسية المعارضة لديها كثير من نقاط الاختلاف والضعف التي يجب ان تحل اولا, ان بداية التغيير هو اعادة التوافق على مبادئ سياسية واجتماعية جديدة يستهدفون ارسائها ضد ما يرسخه النظام الحاكم.

ثالثا:هذة الوسيلة المبتكرة, سوف تخلق بعدا جديدا لثورة عميقة الاثر وليست فقط موجه ثورية قصيرة تلك ان نجحت ستكون ضعيفة المدى مقطوعة الاثر, انما البناء الثوري بخلق وعي وتكتل فكري مضاد ثم الدفع به لينافس النظام الحالي هو الطريقة التي سيعجز النظام عن مواجهتها بطرق العنف المعتادة, وتوفر على الثوار والبلاد خسائر الارواح والممتلكات, وتطرح للعالم طريقة جديدة للثورة.

مصر, 14 أغسطس 2013, يوم العار الذي سقط فيه مئات المصريين في فض اعتصامي رابعة والنهضة

يوم يخلق نقطة فاصلة جديدة في تاريخ الثورة المصرية الحديثة,

عدة سيناريوهات تطرح الليلة (15 أغسطس) اثناء كتابة هذا المقال, عن ردود الفعل المتوقعة, عن تحركات التيارات الثورية فيما بعد المجزرة, و الصوت الأعلى الان, ليس جديدا, نعم هو الثأر والانتقام ,الاعدام الاعدام , حق الشهداء, هنموت زيهم, رغم ان الحدث بالأمس جديد, الا ان ردود الفعل تشعر انك سمعتها خلال عامي الثورة الماضيين عشرات المرات, نعم المجزرة اليوم أبشع, لكن رد الفعل مكرر.

لا أريد هنا ان اناقش تبعات المضي مع الدعوات الحالية, لن أخوض في تحليل ماذا سيحدث بناء على رد الفعل المتوقع, لا اريد ان اذكركم بالأمس الذي يجب ان نتعلم منه, ولا عن نفس البدايات التي تؤدي الى نفس النهايات, انما سأحاول ان أخلق بديل قد يستحق عناء التفكير فيه, هذا وان لم يستخدم بالغد فقد يصلح لما بعد الغد.

هل يمكننا ان ننقل التجربة التركية ( حدائق تقسيم ) الى مصر ؟

أرى ان الوضع المصري الحالي على اتم الاستعداد لاستقبال هذا النموذج وتطبيقه بطريقة أكثر نجاحا من نظيرتها التركية, الظروف الحالية هي الانسب والاحوج, طبيعة أهل السلطة والمعارضة حاليا واستعداد الشارع المصري يتناسبا مع هذا النموذج بشدة.

مشاهد الدماء أصبحت فوق كل احتمال, لا اتكلم عن الأمس فقط, لكن أرجع وفتش في دولاب صور الثورة, ابحث في اسماء وارقام شهداء المذبحة تلو الاخرى, ولا تنسى شهداء عبارة او قطار او سرطان في عهد مبارك أيضا, الطابور طويل, والتوعد بالثأر الواحد, و نظام بعد نظام لا يستجيب, و ثائر يلحق بثأئر يهتف بحقه بلا مجيب, نحن لا نخاف من الموت, لكن نكرهه, نحن الوطن وليس التراب والعفن, نحن من نستحق التغيير والعيش الحر, الى متى سيظل عداد الارواح,نعم التضحية واجبة, لكن عندما يقبض ثمنها, اما ان تكون التضحية غاية ضائعة في السراب فهذا عبث,

نعم هذا النموذج يطرح طريقة “ثورة” اكثر سلمية, تجنب المواجهة مع أجهزة أمنية مجرمة ليس هروبا, انما تأسيسا لظهر “سياسي مجتمعي” نقدر ان نستند عليه في مواجهتها مادمنا لا نريد ان نختار تكوين كيانات مسلحة مضادة تجرنا للحرب الأهلية حرفيا, فليس البديل ان نقتل نحن ونبكي فقط !

اليوم, التيارات الثورية والاسلامية (الحاكمة السابقة) كلاهما تقريبا في “الشارع” , وهذة فرصة سعيدة, ان نلتقي مرة أخرى, نجلس ونتحاسب, نراجع الماضي ونصلح أخطائه, جميعا بأحزابنا وحركاتنا وجماعتنا, كل هذة الكيانات المعطلة المعطوبة تحتاج الى اعداة ترميم , جاء وقت المراجعة, لاعادة خلق اولويات وقيم ومبادئ جديدة للعمل السياسي المصري, المضي اليوم في اي تحرك في الشارع لتغيير اي واقع بدون ان نصلح ما افسدته الاعوام الماضية غير مجدي, حتى ان حدث تغيير فسيتلقفه الفراغ او عدو جديد, اعادة البناء الداخلي لجميع التكتلات واعادة بناء قنوات الاتصال بينها والمبادئ المشتركة فرصة وضرورة اليوم.

الشارع المصري باقتصاده وعملته وطرقه ومساجده وكنائسه المهدمه, يحتاج الى استراحة, نفسيته المهزومة والمكلومة وجيبه الخاوي, يحتاج الى استراحة, يحتاج ان يستمع قليلا الى صوت عقل, التنازع الجنوني يدفعه الى الاضطراب واخذ قرارات تخالف ضميره او تزيله, لا تدفعوهم دفعا الى اللجوء للجيش والنظام القديم, لا ثورة تنجح دون دعم الشارع, ولا دعم ستتلقوه الا عندما يرون فيكم عقلا ويرون فيكم سعيا الى مصلحتهم, لن يقف الشارع خلف موتور او متهور او مغامر بلا أجندة وبلا طرح, هذا منطق بسيط لن تتجاوزه انت لانك منفعل وصاحب حق, أين طرحك الذي ستقدمه للناس ؟ واين “دماغ” الناس التي ستتلقى هذا الطرح؟ , انت محتاج الى هدنة وهم كذلك

لا عودة للخلف, الدعوة للهدنة, لن تكون فرصة للدولة القديمة في العودة, انا لا أؤمن بهذة الخرافة, العودة للمارسات ممكنة وحدثت, انما نحن لن نرجع للخلف, هذا الجيل من الشباب لن ينكسر ولن يفقد ابداعه ولن يفقد جرأته, هذا الشعب لن يسكت مرة أخرى بسهولة عن انتهاج الظلم, العملية ليست بهذة البساطة, النظام الحالي مضطرب –كغيره- حتى في قمعه, هو ليس مدافعا عن مصلحة بعينها, انما هو محارب مضطرب يعبث, لذا لا أرى الخوف من وجوده لفتره, دعوهم وتجنبوهم, سايسوهم حتى يمروا, هم جميعا يوقنون انهم غير باقون, لا رئيس ولا وزير يحلم اليوم انه خالد كمبارك انما أقصى امانية ان “يخلع” بسلام من هذة التوريطه مثل من خلعوا , نحن نستطيع ان نتعايش لفترة مع هذا النظام, بلا مسامحة على خطأ وبلا مواجهة بلا هدف, فقط هدنة حذرة, سيرتكب هو فيها مزيد من الحماقات ولكننا لن نخسر كل شئ, لان هناك أشياء لم يعد يمكن خسارتها

الدعوة تتلخص في …

اعادة انتاج التجربة التركية في مصر, ان يتم الدعوة الى ندوات ومؤتمر عام, ينظمه الشباب من جميع التيارات بلا قائد ولا صفة, يجتمعون في الحدائق, يطرحون كل القضايا الخلافية, كل يتحدث عن وجه نظره وكله يعبر وينقد, نبحث عن نقاط اتفاقنا فيما يحقق مصلحة المواطن, نعزز من القضايا المشتركة ونحترم أختلافنا, نراجع أخطائنا ونتعلم من دروس الماضي, نتفق على مبادئ عامة جديدة, نعيد صفوفنا متوحدة مرة أخرى, تجمعات مسالمة من أهالي كل منطقة او مدينة صغيرة, لا يسببون فوضى او ازعاج, يتجمعون من كل طائفة ولون, يخرج كلا ليعبر عن افكاره ويناقش فيها بهدوء, يحاول المتطوعين المنظمين ان يكون هناك أجندة لكل اجتماع, نخرج ولو بنقطة اتفاق وحيدة, نستمع لكل طرف ولكل فكرة من الادنى الى الاقصى بلا رفض او اقصاء, في كل بقاع مصر, تتجمع الافكار ونقاط الاتفاق, تغطى هذة الفاعليات ونتائجها اعلاميا, ويزاع وينشر هذا الوعي.

هذا ليس الحل او خارطة الطريق في حد ذاته, لكنه الاساس له, هذا الوعي المتفق عليه, هو الاساس الذي يمكن من خلاله ان تعود الاحزاب الى مقراتها مرة أخرى لترى كيف يمكننا ان ننطلق منه الى اعادة طرق ممارستنا للسياسة بمصر, ونستنبط من نتائج هذا الوعي الطريقة التي سنؤسس بها لمصر الديموقراطية التي ستستبدل النظام الحالي دون نقطة دم واحدة أخرى.

“Everywhere is Taksim, everywhere resistance”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s