الحياة من غير قضية فلسطينية

Image

“هي غلطة وفات زمانها كلنا بندفع ثمنها…. 

والقضية….. مفيش قضية

“نحلم ايه؟”- كلمات بهاء الدين محمد 2000

 شهدت جزيرة تيكسيل الهولندية يوم العشرين من مايو 1945 اخرمعركة أوروبية في الحرب العالمية الثانية, وبعد أسبوعين من هذا التاريخ أعلن الحلفاء هزيمة المانيا لتضع الحرب أوزارها تاركة خلفها 75 مليون قتيل والاف المدن والقرى المدمرة وعدة دويلات محتلة, قنبلتين نوويتين, وفوق كل هذه المخلفات من الحرب الاكبر في تاريخ العالم ,كانت الاثار النفسية المجتمعية التي اصابت من تبقى من سكان العالم وأوروبا بالاخص بعد كل هذه الجرائم التي ارتكبتها أطراف الحرب, تلك المشاعر التي سكنت الدول التي احتلت وضربت بالقنابل النووية وتلك الارواح التي أزهقت بدون ذنب, وكان الامر كذلك اكبر صفعة استفاقة لأوروبا كانت كافية لإيقاظها وتعديل مسارها الحضاري التاريخي.

لم يمض عامان على الحرب وتم الاعلان عن انشاء الحركة الاوروبية العالمية

EMI 1947

كخطوة أولى لتوحيد اوروبا, اتبعها بعد عامين انشاء جامعة أوروبا في بلجيكا 1949,ثم عامين اخريين انشاء الجماعة الاوروبية للفحم والصلب

1951  التي مهدت الطريق لإنشاء السوق الاوربية المشتركة

لتشهد مدينة ماستريتش الهولندية في فبراير 1992 اعلان انشاء منظمة الاتحاد الاوروبي , التي استطاعت الغاء الحدود بين 5 دول اعضاء في الاتحاد تزايد عددهم  اليوم الى 28 دولة يتجول بينهم 400 مليون مواطن في مساحة 4 مليون متر مربع.

نعم, تستطيع ان ترى اثار “الصفعة” على وجه اوروبا اليوم خلف سعر اليورو بين العملات, خلف تقدم الصناعات والسلع الاوروبية وخلف بطولات كرة القدم, وارقام أعداد المهاجرين من اطراف الدنيا الى بلاد الغرب الاوروبي, تبصر بوضوح اصابع كف الحرب العالمية وما سبقها من حروب اوروبية ظاهرا جليا, لقد تعلم هؤلاء الدرس جيدا.

hqdefault

حصة الرسم, المنفذ الاول والاخير للتعبير الحر عن افكار طفولتنا, أول لوحة كانت حرب 73, أول وجه كان للجندي (الاسرائيلي), كان أول قبح  حاول ذهني و يدي الصغيرة تصويره, بعد اعوام صعدت للمرحلة الاعدادية وكانت تجربتي الاولى للاستماع الى أغنية على جهاز (الوالكمان) مع الاوبريت العربي الأشهر (الحلم العربي). تشربنا القضية من أعلى عقولنا الى اغمص أقدامنا التي سارت في مظاهرات الانتفاضة الاولى بعدها بشهور قليلة, أما عن اولى مراحل النضج والبحث عن الذات والهدف من الحياة فكانت ورقة علقتها بغرفتي استعدادا لدخول الجامعة في بدايات غزو العراق مارس 2003, ولأول مرة اكتب هدف حياتي امام عيني “صناعة صواريخ رادعة تحمي الأمة”.

مختلف الطرق كانت تحاول ان تكوّن هذا الكائن المخيف, العدو الاسرائيلي, المدرسة, المسجد, البيت, الحكومة وكذلك المعارضة, الجميع اتفقوا رغم خلافهم الدائم على شيء واحد, عدونا الازلي وحلمنا الابدي بهزيمته, امنيتنا العظمى بشهادة على أبواب النصر عليه, اما وقد كانت غايتنا في الدنيا الجنة باتباع الدين فقد كانت ذروة سنام هذا الدين, هي الجهاد, والجهاد يعني العدو, يعني الشهادة على اعتاب الأقصى, الحلقة المغلقة, هكذا فهمنا اذن أول الحياة واخرها, واين تقع حدود احلامنا في  قضية الامة المصيرية التي سنعيش من اجلها وستنتهي الدنيا بعلاماتها, حين  يحارب المسلمون اليهود, ويقول الحجر, يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله, وضعت غايتي في الدنيا بين قوسين, طرف فيه  وجه جندي اسرائيلي قبيح باللون الاخضر و بالأخر الحجر المتكلم الذي اتحرك من خلفه لأسدد طعنة نافذة بصدره.

هي القضية الفلسطينية, ثمانون عاما من الاغتصاب, انتقلت العروس من قبضة السلطان العثماني للمستعمر الإنجليزي لملوك الخيانة فاروق و حسين, بين منظمة التحرير لحركة فتح لحكومة حماس, بين عبد الناصر الذي سيلقى بإسرائيل في البحر لمبارك صاحب الطلعة الجوية والسلام ايضا, بين أسلمة الاخوان وقومية الاشتراكيين, استنزفت القضية الى اخر رمق من كل ذي مطمع وغاية رخيصة, الكل ساقها وسوّقها لخدمته والكل انتفع قدر ما استطاعت يداه وصولا ولسانه تزويرا. ولا زالت القضية بلا حل و لازال حالها بيننا كما هو بنفس عشم الامل و كسرة العجز, و الورقة المطروحة تتقلب على وجهيها بين مفاوضات دولة سرابيه و نيل شرف مقاومة عبثية.

يطرح (جلال أمين) تفسير مهم في كتابه (قصة الاقتصاد المصري) عن ارتباط دوافع العدوان الثلاثي على مصر بخطوات التنمية الاقتصادية التي بدأها (جمال عبد الناصر),  يتوافق مع تحليلات اخرى لعديد من الحروب والنزاعات الاقليمية التي حدثت على مدار التاريخ الحديث مثل ما حدث في (دارفور) او (العراق) او الصراع الهندي الباكستاني, حيث يفترض وقوف دوافع اقتصادية بحتة خلف هذه الاحداث العسكرية , حيث تم توظيف الخلافات العرقية و الصراع الديني للتشويش على حقيقة العملية الاقتصادية المدارة خلف صورة الحدث.

وكان كذلك الصراع العربي-الاسرائيلي المادة الخام الغنية لإدارة سياسة المنطقة العربية, واصبحت القضية الفلسطينية العملة الصعبة للضغط والتفاوض, اشغال الراي العام وتوجيه سياسات دول الجوار بالأخص التي ارتبطت حدودها عسكريا بالكيان الاسرائيلي. وهكذا اصبح وجود اسرائيل والحرب المرتقبة معها ضرورة متلازمة مع نظم الحكم, التي لن تعط الفرصة لشعوبها لإعادة فتح أوراق الداخل وكشف الفساد السياسي و الاقتصادي والاجتماعي  المتفشي في البلاد, فناقوس الحرب جاهز للانطلاق وقت الأزمة, ليعلو (صوت المعركة) على باقي الاصوات, وأصابع العدو ومؤامراته علينا مستعدة لتقديم العديد من التفسيرات المحرجة للأنظمة. هذا وان حاول يوما احد ساسة هذه النظم بإرادته الالتفات الى قضايا الداخل اكثر مما ينبغي له, استعمل ضده نفس السلاح من قوى الهيمنة الاقتصادية و انتهازي المعارضة ان وجدوا. فلطالما ظل وجدان المجتمع متشبعا بحمية القضية ومؤمنا بالمؤامرات الايدولوجية على ذاته الرفيعة, مسترخصا سعادة ورخاء مجتمعه بل وارواح ابنائه فدائا لأهداف القضية الابدية.

الطرح الجديد هنا هو, كيف هي الحياة من غير (قضية فلسطينية), يا ترى كيف سيتشكل المناخ السياسي والاجتماعي في بلادنا؟ , من هو العدو الذي سيرسمه الاطفال في لوحاتهم؟ ومن أين لنا بالمشاهد التلفزيونية المؤثرة التي تنمي مشاعر الغضب والحقد وكسرة النفس بداخلنا؟ كيف سندخل الجنة اذن ان لم نستشهد على أبواب الاقصى ؟! , ما هي القضية الخارجية المهمة التي سوف تنسينا الام داخلنا القومي؟ على من سيغني أهل الحب حين يريدون تغيير ال”تون” ومن اين لأصحاب المنابر الصاخبة ببطولة الكلام والورق! , بم تفكر الأمم التي لا تستعد الى حروب ومعارك؟ وما نوع السياسيين الذين يبرزون في مثل هذه الدول؟ واي نوع من الدعاية سيستخدمونها اذا ؟ وما هو الباب الذي سيجده التدخل الاجنبي لنشر نفوذه ببلادنا؟

هدف هذا التمرين التخيلي, الذي أطلب منك ان تمارسه, ان تبدأ في التعرف على المستفيدين الحقيقين, في الداخل المصري, من استمرار الصراع العربي-الاسرائيلي الى ما لانهاية, اذا كنت تبحث عن مخرج جديد للقضية, فيجب ان تعيد طرحها من منظور مختلف, هناك شبكة مصالح متنوعة يهمها استمرار هذا الصراع لتحقيق مكاسب اجتماعية واقتصادية وسياسية من وراءه, هؤلاء هم أول المصدرين لفكرة ان الصراع ديني بحت وانه لا فكاك منه الا بالحرب الشاملة التي لن تأتي ولن تتوقف مقدماتها, حرب متخيلة تجعلهم هم ومصالحهم باقون بالتبعية معها, هؤلاء الذين لا يعرفون طريقا اخر لإقناع الناس بجدوى وجودهم على الساحة الاجتماعية والسياسية غير الدفع بهذا الصراع, تلك الاطراف لا توجد في مصر فقط, انما في الاصل هي الاطراف المهيمنة على الداخل الفلسطيني و الاسرائيلي كذلك, دوران عجلة الحرب هي الداعم الرئيسي لبقائهم في صدارة المشاهد الاجتماعية والسياسية هنالك.

تعلمت الشعوب الغربية هذا المفهوم, وبدأوا في تجاهل أصحاب تلك الدعوات والواقفين خلف هذه المصالح,  الحروب الاوروبية الطويلة انتهاءا بالحرب العالمية الثانية كانت مفتاحا لدرسين وقفا خلف النهضة الغربية الحديثة, أولهما كان ادراك التناقض الحتمي بين الحروب والرخاء, وان حالة الحرب هي وسيلة لاعتلاء نظام حكم سلطوي ضد مصلحة العامة تنتهي باستنزاف موارد الأمة وصد مسارات رخاء المجتمع, أما الثاني فكان حول كيفية ايقاف دوافع الحروب, وكيف ان تعايش الأمم وتقبلها أمر ممكن رغم اختلافها ورغم سوء ماضيها المشترك, ان الانسانية تقدر على تجاوز خلافتها بالطرق السلمية, وان تكامل المجتمعات هو الضامن لحفاظها على العيش الكريم, وان الاقتتال دائرة دم مغلقة لن يفلح من رأى فيها طريقة للحل.

وكذلك هذا الطرح الذي سأقدمه هنا مخالف لأصنام الفكر السياسي الأممي التي شربناها منذ طفولتنا, طرح يبنى على رفض الحرب كحل للقضية الفلسطينية, وتقديم شكل مختلف من التكامل كبديل.

في البداية, سأطلب منك ان تقف على الجانب الاخر من القضية, هل فكرت يوما كيف يفكر الشباب الاسرائيلي العادي بالقضية الفلسطينية؟, تخيل نفسك الان وقد ولدت لوالدين إسرائيليين مثلا في عام 93 مع اتفاقية أوسلو, لم تذكر من طفولتك من احداث عنف غير مشاهد متقطعة من الانتفاضة الثانية في طفولتك, ثم كبرت في مجتمع هادئ  مثل “ايلات” لا تكاد تذكر حالات لسقوط صواريخ بالبلدة التي تسكنها, لم تشهد في شبابك حرب, وتتلقى تعليم واعلام وتربية أسرة ترسخ في ذهنك ان هذه أرضك وأرض اجدادك, وان أهلك يعملون ويتعبون من أجل ان يعيشون فيها, وتذهب الى جامعة “تل أبيب” فتتعرف أكثر عن الصراع من حولك وعن الحياة في غزة والضفة ومطالب الفلسطينيين لكن بشكل عام فان وجهة النظر التي تكتسبها في صالح اسرائيل وضد التعديات الغير عادلة والمطالب الغير مستحقة من العرب.

تصور ان هذه هي العقلية الأرجح للشباب الاسرائيلي, هم ليسوا وحوشا بالفطرة, هم شباب مثلي ومثلك لهم أمال في الحياة والسفر والتعلم والعائلة, يحبون ان يضيفوا الى العالم وينفعوا بلدهم ويثبتون ذواتهم, يودون – كأي بشر – ان يعيشون في سلام وامان حيث يجدون السعادة في الحياة والرخاء في العيش, هؤلاء لم يشاركوا في مذابح (دير ياسين) ولا عاشوا اجواء الحروب العربية الكبرى, نسبة قليلة منهم هي التي شاركت في عمليات عسكرية بغزة, وهم نفسهم من انفتحوا مثلك على العالم وتعرفوا على أفلامهم وفرقه الموسيقية و احبوا الترحال فيه والتعرف والتعلم من الاخرون, هم يبحثون كذلك عن حل لحالة الحرب, يريدون مستقبل بلا خطر, وبلد امن وسط جيران محبين, كبشر يريدون السعادة والسلام مثلك ايضا.

اتركك مع نفسك للحظات, قف هناك مع هذا الشاب العادي, حاول ان تتخيل بما يشعر وكيف يعيش, كيف تفضل ان يفكر فيك انت على الطرف الاخر؟ ما هي نظرته لحاله ولمستقبله ولبلاده؟

ثم دعنا نتحدث عن نموذج للتكامل, فلنعد مرة أخرى الى اوروبا,

كيف تمكنت بلاد مثل فرنسا وبولندا والمانيا ان تتعايش اليوم في اتحاد اوروبي موحد ؟!  حيث حرية الحركة والتبادل التجاري والثقافي الواسعة, في حين لو رجعت بالتاريخ أقل من 70 عام, تجد ان ملايين السكان قد قتلوا خلال الحرب العالمية بين تلك البلاد, منهم 6 ملايين بولندي فقط خلال الاحتلال النازي أي ما يعادل 60 ضعف اجمالي قتلى الصراع العربي الاسرائيلي منذ نشأته,

وان مدن مثل الزاس-لوغين

(Alsace-Lorraine )بفرنسا

   و ستتشين (Szczecin)

ببولندا

هي أراضي المانية محتلة من بلدين يعتمد اقتصادهما اليوم هم وغيرهم من بلدان الاتحاد الاوروبي بشكل او باخر اليوم على قوة الاقتصاد الالماني  , لكن هذه الشعوب قد تجاوزت كل هذا, والالمان لم يفكروا في مطاردة تلك الملكيات – مع استطاعتهم –لانهم قدروا قيمة التعايش السلمي, وادركوا ان ارواح البشر ومن ثم اتحاد الشعوب ورخائها أولى من الحدود, وانه لا يضير الالماني ان يسترجع بيت اجداده في “ستتشين” عندما يصبح بإمكانه ان يدخله امنا مطمئنا ويسمح له بالبيع والشراء بها كمواطن أوروبي حر, ادركت الحكومة الالمانية ان الأرجح من مطالبة روسيا برد بلد الفيلسوف الالماني الاشهر (كانط) التي احتلت كذلك وتغير اسمها (كالينجراد)

(Königsberg/ Kaliningrad)

 هو أن يتحقق للمواطن الالماني الرخاء والاقتدار العلمي والعملي الذي سيجعل

(كالينجراد) وغيرها من بلدان أوروبا تسعى لان يدخلها الالماني مالكا او عاملا او سائحا.

يا ترى لو اعدنا التفكير في القضية الفلسطينية بدون تخيل الشيطان الاسرائيلي بوحشيته ومجازره ودباباته, هل سيكون هناك فرصة لتصور جديد لحل القضية؟

هل يمكن ان نقدم لرؤية الحوار معهم شيئا غير الزوال والفناء الحتمي؟

هل بوسعنا ان حلم بمستقبل حلم به الأوربيين منذ 70 عام؟

هل هناك طرح اذن, يعتقد في التكامل بشكل مختلف كحل ممكن

خيار الدولة الواحدة ثنائية القومية, الذي اتفقت فتح “المفاوضة” وحماس “المقاتلة” على رفضه, هل يمكن اعادة صياغته وتسويقه مرة أخرى على يد حركات سياسية شابة جديدة تظهر بالداخل الفلسطيني.

أتحدث هنا عن ثورة سلمية, ثورة ابداعية مبتكرة ينظمها شباب فلسطيني سلمي, يتحرك بقائمة مطالب لم يسمع بها العالم المنشغل بالقضية الفلسطينية من قبل يتشاركون فيها مع مجموعات شبابية مناظرة على الجانب الاسرائيلي, على قائمة المطالب يأتي اجراء تعديلات على قانون الجنسية 5712  الصادر عام 1952 وقانون المواطنة 5763 الصادر عام 2003 لتوسيع نطاق الجنسية الاسرائيلية ومنحها لجميع قاطني الاراضي الفلسطينية والاسرائيلية, ثم اجراء استفتاء على تعديل الدستور ليميل الى علمانية الدولة ونبذ التفرقة العنصرية واعطاء حقوق متساوية للمشاركة السياسية والاحتكام للقانون.

أرى في تحقيق مثل هذا “الحلم” ما هو أقوى وأنفع من الف حرب والف انتصار, ان تحقق مثل هذا الحل “السلمي” الذي يمهد الطريق للفلسطينيين ان يذوقوا طعم وطن يعيشون فيه كرماء أحرار, لهم حقوق وعليهم واجبات, يشعرون فيه أخيرا بمعنى الأمل في المستقبل والرغبة في الحياة.

ان مثل هذا الحل هو طريق نضال طويل بالتأكيد, يبدأ من تكوين الفكرة والوعي لدى تيار فلسطيني شاب, قد يكافح سنينا حتى ينمو ويقوى, ثم يطول النضال في صراع مع قوى الداخل الفلسطيني الاجتماعية والسياسية ثم مع الجانب الاسرائيلي , ثم مع تدويل القضية “الحقوقية السلمية” ثم مع تدريج المطالب وتصعيدها وتحقيق المكاسب النسبية المتتالية, لكن مستقبل مثل هذا الصراع يمكن تصور قبوله وحدوثه, الوعي العام لعالمنا المنفتح الجديد, تشوق الاجيال الجديدة للحياة والتعايش والابتكار أقوى أساس للوثوق بإمكانية حدوث هذا التصور, حب الحياة ورفض العنف والاقتتال هو الدافع وراء توقع تحقق مثل هذا الحلم عن دونه من الحلول العسكرية.

في الحقيقة ان هذا الطرح ليس بدعا من الخيال, فبالرجوع الى التعداد الرسمي لسكان اسرائيل  للعام 2006 فان هناك بالفعل اكثر من مليون ونصف عربي يمثلون خمس المجتمع الاسرائيلي, وان تقريرا اسرائيلي افاد بان هناك 3 الاف مقدسي حصلوا على الجنسية الإسرائيلية فيما بين 2004 الى 2012 ليصل التعداد التقريبي للمقدسين الحاصلين على الجنسية الى اكثر من 10 الاف من بين 280 الف مقدسي يعيشون في قلب موطن صراع الهوية والحدود.* المصدر جريدة القدس العربي –وليد عوض اكتوبر 2012

نعم, معسكرات الرفض لطريقة تفكير مثل هذه اليوم أقوى, لكنها تضعف, أهل أطروحات الثأر والهوية سوف يتساقطون مع الأيام وتلفظهم الاجيال القادمة, مع الوقت ستتكشف عبثية دوائرهم المغلقة وصراعتهم البالية, مع الوقت سيدرك الجميع ان الثأر هو اشتباك فكري لن تفضه الا دولة القانون “تحاول” اقامة العدل, وان صراع الهوية هو عصبية فارغة في عالم يتداخل بسرعة جنونية تغير يوما بعد يوما من رؤية وتعريف معنى الهوية و معايير قبولها وتطبيقها في حياتنا. ولعل معسكرات الرفض الاجتماعية هي الأصعب, لكن المعسكرات السياسية ستقاتل ضد مثل هذا الطرح الذي سيسلبها نقاط التميز النسبي التي منحتها تفوق نسبي على قريناتها وستقف ضد ان تأخذ الشعوب فرصة لاختيار سياسيون يطرحون اجندات الرخاء ايضا لا الأمن فقط.

وأنا كمؤمن بضرورة زوال الحدود العربية وكذلك الحدود الاقليمية الافريقية والشرق اوسطية في مستقبل ما قريب, أرى حل الدولتين – حتى بافتراض جدلي بإمكانية حدوث تعايش لدولتين تنكران تخيلات افناء الاخر – ليس الخيار الافضل, وان تاريخ الصراع وتشكيل أهل التفاوض والمتحكمين في عرى السياسية حتى هذا اليوم لا يوحي بجدية تحقق حل الدولتين.

بإمكانك –كعربي- ان ترى في هذا التفكير كما لا بأس به من سواد الانهزامية و الانبطاح الفكري و الاستسلام وقلة الرجولة وما الى ذلك من المرادفات, بإمكانك ان تقتنع بأي اطروحات أخرى ترضي كبريائك العربي, انا اتقبل ذلك, لكن أرجو منك ان تتخيل اثر تحقيق مثل هذا التصور, ارجوك تخيل المسلمين يشترون “سلميا” معظم أحياء القدس, ويرفعون دعوى قضائية ضد “نتنياهو” , ويعلو أذان مساجدهم في “ايلات”, ان تتخيل أراضي فلسطين المقدسة مفتوحة للعالم كله للزيارة والتعبد, ان يتخلص عالمنا العربي من صراعه الازلي الابدي, ويلتفت ابنائنا الى احلام الرخاء والحضارة والتقدم وتصدير قيمة بشرية حقيقة الى العالم الذي تأخرنا طويلا عن ركاب حضارته.

في احدى خطاباته العبثية, قام (معمر القذافي) بتقديم حل للقضية الفلسطينية و وضعه تحت اسم (دولة اسراطين) كدولة واحدة تضم القوميتين, لعل ظاهر الطرح وصاحبه وطريقة ومكان القاءه اتسموا بالعبثية, الا ان المضمون يتفق بشكل كبير مع ما عرض هنا, بالتأكيد قيمة هذا الحل ستكتسب من عمق صياغة الفكرة وقربها من معالجة معضلات القضية ونشأة وعي عام وحركات شبابية متبنيه لها, واتساع وامتداد وسائل العمل على تحقيقها, لكن كل ذلك لا يمنع ان الحكمة ممكن ان تؤخذ احيانا من أفواه المجانين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s