الغرب الكافر

“I do not feel that we should set up people as “models”; rather actions, thoughts, principles.”

 Noam Chomsky

” لا أشعر اننا يجب ان نتعامل مع الناس ك”قوالب” ولكن  كأفعال وأفكار ومبادئ”

نعوم تشومسكي

نعم, لقد جاء اليوم الذي اقرر فيه انا الشاب المصري المتزن العاقل المشهود له  بالاحترام والوقار والسمت الهادئ ان ….. ارتدي (حظاظة) ….اينعم (حظاظة) بكل ما تحمله الكلمة من معنى مباشر و اثر غير مباشر, هذا الاختراع الذي  يلتف على المعصم كوسيلة للتزين الملبسي والذي يستخدم بشكل يثير كثير من الريبة في نفوس عامة الناس, لكن هذا الفعل لم يكن تصرف اهوج من شاب مفتون اجتماعيا قرر “فجأة” ان يعيش اللحظة, انما كان فرصة لاكتشاف جديد بداخل وجدان المجتمع المصري.

ان اعتياد “قولبة” الناس ليس حالا غريبا على الطبيعة البشرية, فالإنسان يعرف اولويات حياته ويمارس اغلب  ضرورات عيشه و مهنته في صور “مقولبة” وتظل الطريقة الاسهل له في التعلم هي القياس على مشابه, ويحمل عموم الناس نفس الطريقة التي اعتدوها في العمل والتعلم الى مجال التواصل الاجتماعي, فالمجتمع الخارجي الذي يتعامل معه الانسان التقليدي يجب ان يقسم الى قوالب وكل من يقابلهم في حياته يتحتم عليه ان يسكّنهم في اياها, بتلقائية غير واعية يقوم بتصنيف هذه الى المنحلات, وهذا  الى المتشددين, وذلك اقرب الى موظفي الحكومة, وذاك من الشباب التافه, وهذا أمه “جيبهاله” وهذه أبوها “مربهاش”, هناك خانات في عقله يجب ان تستوعب كل من يعاملهم او يمر على اطيافهم.

الخطر فعلا عند تملك هذه العقلية لنفسية تشعر بالدونية عن من حولها, وتتضاعف الخطورة عندما نتحدث عن أمة بأسرها تشعر بالدونية عن أمم أخرى في وقت قد سيطرت “القولبة” على المنهج الفكري لدى ابنائها في الحكم على الناس.

العرب على مدار أجيال متتالية من الاضمحلال توارثوا شرخ نفسي عميق جعلهم على قناعة ان العجم على قدر أعلى من الرقي الانساني الفطري مننا نحن العرب, فالرجل العربي مهما علت درجته بين ابناء عروبته فهو يشعر بانتقاص امام الاجنبي الذي ولد وعاش واكتسب جنسية وأصول غربية. سواء ابيضت بشرته ام اسودت, فالعنصرية هنا هي عنصرية انتماء لا لغة ولا جنس ولا لون, انما العربي يشعر –في قرارة نفسه- ان انتمائه لهذه البقعة من الارض والتاريخ كافي ان ينتقص من قيمته كبني ادم لصالح كل منتمي لبلاد اخرى أعز قدرا.

لكن هي هي روح العربي, تأبى اكتمال هذا المعنى من الدونية, او دعنا نقول ان روح العربي تكره هذه الصورة من الدونية رغم قناعته بوجودها. سوف يلجئ اذن الى سياسة نفسية تحاول تسكين وجع الدونية عنده وتعتمد على خلق فكرتين من اصل مريض.

الفكرة الاولى تحاول استرجاع اثر الماضي واللعب على وتر الاصل, نفس الفكرة تفشت في مجتمعات العرب الجاهلية ايضا, حين كانت جلساتهم الشعرية لاسترجاع أمجاد اجدادهم والتي لم تتعد حروب قامت وقعدت على سخافات, ورغم تخلف عرب الجاهلية عن باقي الامم ممن حولهم حضاريا الا ان هذه الفكرة اسكرتهم, وبالمثل فان عرب الجاهلية الحديثة في عصرنا يحاولون ان يستخفوا من تأخرهم عن الغرب بخدع التاريخ التي نعتقد بها اننا وان تخلفنا اليوم فان تاريخ اجدادنا يشفع لنا, فهؤلاء –الغرب- بلا تاريخ حضاري, انهم حضارات ناشئة, قد ساد اجدادنا اجدادهم ثم نرفع رأسنا فخرا, وكذلك فنحن ارض الانبياء ومهد الرسالات فنحن وان هزم قدرنا الانساني اليوم فيكفينا اننا نتفوق انسانيا عن الغرب بما نمتلك من صفحات التاريخ.

وعلى الرغم من سخافة اصل الفكرة المبنية على التفاخر بأفعال الغير, فالمعنى المطلوب علاجه هنا هو الشعور بالدونية او التفوق الانساني, فأنت كفرد في المجتمع لا يحق لأحد ان يصفك بالدونية عن نظير لك يعيش في بلاد تقدمت عن بلادك, هذا وان صح وصف مجتمع بالترقي عن اخر, فان الانسان مكرم بحسب ما يفعله اليوم والان فقط وطالما استمرت فيه الروح فهو يمتلك فرصة متساوية مع باقي البشر في الترقي الانساني الذي لا يعرف الا نقاء و رقي شعورك وعطائك بالدنيا, وعندما خلقك الله جعل لك الارض كلها محل للهجرة, فان لم تعرف طريقا للترقي بمجتمعك فأرض الله واسعة, ويظل قدرك بين البشر بقدر عطائك المفيد بينهم.

اما الفكرة الثانية التي خلقها العربي هي محاولة تشويه ترقي المجتمع الغربي وهكذا يكتمل الوهم المقنع, فرغم جلاء التقدم والرقي في مجتمعات ارست اسس العلم والحرية والعدالة, فالحل عند النفس المريضة هنا ان تلصق اتهامات مشينة لهذه المجتمعات يمتلك هو بالطبع مقابلها من صفات فاضلة, فرسمت في اذهان الاجيال الناشئة من العرب ان الغرب هذا مجتمع غير سعيد, مليء بالفراغ النفسي ويشيع فيه الاكتئاب ومحاولات الانتحار, انهم مجتمع مادي اجوف, بائسين لا يعرفون هدفا لحياتهم وغارقين في لذاتهم, وهم ايضا مجتمع مفكك ضاعت فيه المعاني الاسرية والروابط الاجتماعية, وطبعا يجب ان يخرج الكبت الجنسي عند العربي في اوصاف مثل انها مجتمعات منحلة تفشت فيها المنكرات والشذوذ والاباحية والقائمة الطويلة  التي تجعل من العربي (كريم العنصريين) يشمئز من تلكم المجتمعات.

يمكننا ان نفرد هنا صفحات مطولة تتحدث عن حالة الانكار التي تجعل القائلين بمثل ذلك يتناسون ان مثل هذه التهم تعج ببلادهم –العربية- ولعلها بمعدلات اكثر من نظريتها في المجتمعات الغربية ولكنها مخبئة تحت ستار مجتمع “خجول” من مشاكله ومتستر على جرائمه, وكل اصابع الاتهام تلك انما هي –للناظر المحق- موجهه الى مجتمعاتهم المنتكسة ليس الى تلك المجتمعات التي تعيش السعادة وتنتج الحضارة المادية والمعنوية ايضا, ولكن هذا ليس موضعا لمحاولة الدفاع عن تلك الحقائق الجلية, فلم يكن المطلوب هنا ضغط على وتر الخضوع الحضاري أو اعتراف بهزيمة م,ا لن يجدي.

الدعوة هنا الى نبذ هذا الاسلوب الدفاعي المقيت بتشويه الخصم, الدعوة هنا لنبذ مفهوم “الخصم” في الاصل من المعادلة, ان شعور العداء والتنافسية في حد ذاته هو شعور مرضي. الاصل في الانسانية هو الاخوة وحقيقة اختلافهم في تعارفهم وتكاملهم, ومفهوم “win-win ” او الكسب المتبادل هو الخيار الوحيد للناجحين والسعداء في هذا العالم.

لا تلجأ الى الحل السهل وتقعد الى شعورك بالهزيمة الانسانية سواء بتشويه حاضرك باسترجاع ماضي لا تملك حق فيه او بتشويه غيرك لتكتب لنفسك الافضلية عليه, اخرج من معادلة المقارنة المقيتة. وجب على الاجيال القادمة التي فتحت عيونها على “قرية صغيرة” اقترب فيه العالم وتداخل اكثر من اي وقت مضى ان تذيب الفوارق بين البشر وتكون صورة مجتمعاتها المحلية ونظيراتها العالمية مجرد تجارب سابقة صالحة للتعلم وليست واجبة الاتباع او منتظرة التكرار.

انك لن تستطيع ان تتخلص من هذا الصنم الفكري الا بالخروج نهائيا بعقلك من اطر “قولبة” البشر, انظر الى البشر واوصافهم بقدر اكبر من البساطة التي لا تستدعي احكام اضافية ظاهرية على شخوصهم, المرة القادمة التي تجد فيها صديق لك يرتدي “فجأة” في يده (حظاظه) لا توجه اليه تلك النظرة المستنكرة, ان وجدتي صديقتك “فجأة” قد ارتديت (حجاب) فلا تشعريها بفرحة دخولها في قالب من احكام مخك المختلفة أخيرا, ان رأيت صديقك السلفي يوما قد حلق لحيته فاستسمحك ان لا أرى في عينك تلك النظرة المركبة التي تطرده بها من قالب وتودي به الى اخر, البشر ومجتمعاتهم مخلوقات اكرم من ان يكونوا قوالب تتكرر بل هم مدارس للتعلم.

10346677_669466896457737_426090586_n

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s