حقيقة الحقيقة

لطالما أرضت كثيرا مننا المعلومة -مجهولة المصدر- التي تقول ان الطفل المصري من أذكى اطفال العالم,  فكانت وسيلة جيدة لإرضاء الذات المنكسرة بداخلنا من حاضرنا المهضوم ومستقبلنا المكلوم, في اننا كنا يوما ما نتميز عن الشعوب التي داس علينا قطار نهضتها, وحيث اننا لا نتذكر طفولتنا جيدا وسوف نلقي بغباء ابنائنا في المستقبل على اسباب لن نعدمها, فإننا حرصنا على الابقاء على هذه المعلومة حية بوجداننا طويلا.

عن نفسي, فلقد حاولت من خلال بحث سريع ان اصل الى مرجع علمي او موثق عن نسب الذكاء بين الاطفال حتى وصلت الى تقرير 2011 TIMSS لأجد فيه ترتيب لدول العالم, واخذت في التحرك التصاعدي من السويد في المرتبة 16 مارا بدول كبرى مثل المانيا فإنجلترا فالولايات المتحدة واخذ الامل يأكلني وانا ارى كبار العالم يتساقطون قبل الخمس الاوائل, والامل ينتعش في قلبي حين وجدت الصين في المركز الثالث, وقتل الامل بالتأكيد حين وصلت الى سنغافورة في رأس القائمة التي بدت منطقية معتمدة على نظم التعليم ودرجات الاطفال في مراحل التعليم الاولية.

اصابتني خيبة أمل اقل بالتأكيد من صفر (مونديال2010) ,وبجانب رغبتي في التنكيد على اصحاب مثل هذه الامنيات فان تحدي ذكاء الطفل المصري فتح لي باب للتفكير فيما هو أهم من ذلك.

اذا كنت من هواة مراقبة الاطفال او ممن اجبروا على هذه العملية يوما ما, فانك ستفهم كيف تترقى عقول الاطفال, فتجد ان الطفل في بداية احتكاكه بالعالم منكرا لكثير من حقائقه ورافضا لوجودها, فبالنسبة اليه كل خلق الله صالح للأكل او التذوق على الاقل وهو لا يعترف بنظريات الكهرباء الحديثة التي تحظر على الانسان ان يعمل كتوصيلة أرضية للكهرباء, وكذلك يرفض نظريات الجاذبية واستنتاجاتها التي ترشح احتمالية تعرضه للأذى اذا سقط من شرفه او من سرير مرتفع.

مع الوقت يبدأ الطفل في معرفة حقائق العالم من حوله, او دعنا نقول -بصياغة أخرى- انه يتعرف على حدوده التي يلقنه اياها مربوه. وكلما كبر كلما اتسعت دائرة الحقائق واختنقت حدود العالم حوله, ثم تتجاوز عملية التعليم مداها ,ففي حين ان كان عليها فقط ان تنبهه الى نوع من الحقائق التي يجهل مداها و من الممكن ان تسبب ضررا لا يمكن اصلاحه في حياته, فاذا بالمسئولين عن تعليم و تربية الطفل يبدئون في التعدي على عالمه, فيصبون في ذهنه قصرا كما اكبر من المعلومات والآراء والمبادئ في قوالب الحقيقة اكثر من احتياجه واكثر مما تفتضيه امانة النقل.

وعلى هذا الحال ينشأ المجتمع ومعه ماكينة نسخ لمنهج ثقيل من الحقائق المتوارثة, يكبر بها الطفل ويشب عليها الرجل, و وفقا لما غلب على المجتمع من افكار ومعتقدات تعكس الحالة الحضارية  له فان الحقائق التي يتشربها ابناءه تكون على نفس الشاكلة.

 واذا كان هناك خطورة من ترسخ كثير من المفاهيم المغلوطة والمعكوسة في عقليات الاجيال الناشئة بحقبة التخلف الحضاري الحالية نتيجة تسرب كثير من المعلومات على صورة حقائق من مصادر في الاغلب تبالغ او تفرط في الوصف, فان الخطورة الاكبر هنا حقا في نمو حجم الحقائق في عقليات ابناء المجتمع, وشيوع طرق تفكير ترى ان العناصر التي تتكون منها المواضيع التي يناقشونها اغلبها عبارة عن حقائق وما لم يكن منها كذلك فانه سوف ينقلب الى حقائق مع اول رأي من شخصية قوية او من مستند على خلفية ايدولوجية.

في عام 1616 كان جاليليو جاليلي على موعد مع مواجهة مع احد الحقائق التي تعلقت بإحدى الثوابت الكونية والدينية, ويعتبر صراعه مع الكنيسة الكاثوليكية من اعظم الصراعات مع منظومة ترسخ تعميم الحقائق حتى مع تراجعه وضعفه في النهاية, وان كان صراع جاليليو عن موضوع فلكي مثل مركزية الكون يعد كصراع بين العلم ورجال الدين, الا ان المفهوم الاوسع فيه انه صراع مع قدرة الانسان على توسيع مداركه ورؤية الدنيا بمفهوم اوسع يتبنى الشك.

لا يوجد اختراع في الدنيا الا وبني على شك ما, شك لا يهدم كل القواعد ولكن ينحي بعضها جانبا بشكل جدي ليحاول ان يصل الى فهم اعمق, بداية من زرع الارض والشك في قدرة الانسان على المشاركة في عملية الخلق, وحتى عمليات الهندسة الوراثية والاستنساخ, ولكن لا يقتصر الحديث على كسر قوالب الحقائق واعمال العقل ومبادئ التجربة والاختبار على العمليات العلمية فقط انما يتوجب ان تحمل هذه النظريات الى جوانب الحياة الاجتماعية ايضا.

فكما وجب على مبتكر الكسور العشرية ان يشك في منطق ان هناك رقم بين الواحد والصفر, وكما شك ابن فرناس في ان الانسان مخلوق لا يطير, كذلك هو الحال في كل من ابدع في مجال انساني, وفي كل من امتلك السعادة في عيشه بعد ما شك في كثير من الحقائق السلبية التي احاطته, وكذلك كان كل اصحاب الرسالات الانسانية حين دعوا الى الشك في مناهج السابقين رغم عموم الظن في صحتها. ان تتحول الى انسان مرن قادر على الاضافة في العالم هو ان تقدر على الدخول في نقاش ما وانت على استعداد ان تقبل ان 1 +1 قد لا يساوي 2, ان تقبل –لا بشكل عبثي بل بواقعية- ان تنبش في الثوابت وتقبل ان تناقش اشياء قد اعتبرتها مسلمات بديهية.

لا توجد فرصة لمجتمع ان يتقدم الا باكتشاف انه متأخر, هذا اول الخيط, وهذه اول حقيقة يجب ان تكسر, ليس كل شيء على ما يرام, ان يدرك المواطن ان هناك شيئا خاطئا, وان حل المشاكل السياسية او المالية او هيكلة دولة القانون ليس كافيا وحده. الخطوة الحضارية في ادراك وجود مشاكل في التكوين الاجتماعي للبلاد ومنظومة العادات والتقاليد, وهذا يجب ان يدار من خلال دعم موجات من الشك في الكثير من التفاصيل التي اعتادت عليها حياتنا, لا يهم كم حجر سيقلب وأي مبدأ سيفتش, المجددون يجب ان يتحملوا تكلفة نبش ثوابت المجتمع لا بهدف اسقاطها ولكن تنقيتها, ليزول الخبث ويبقى ما ينفع الناس ثابتا وان توالت عليه موجات الشك.

نعم, الطفل المصري ليس اذكى طفل في العالم, ولن يكون كذلك طالما لم يستطع الشباب المصري ان يتمرد على حقائق طفولته الماضية, ويزيح عن ذهنه الثوابت التي تساهم فعلا في تأخره عن نظرائه من المجتمعات المتحضرة, وقتها سيكون هناك أمل ان تنشأ منظومة تربية وتعليم أمينة وذات كفاءة تحمي الفكر الناشئ وتحرره وتعطي الطفل المصري فرصة للترقي بنفسه وبأمته.

Image

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s