فن طبخ السم

“To punish the oppressors of humanity is clemency; to forgive them is barbarity.”
الهمجية هي ان تعفو عن أعداء الانسانية لا ان تعاقبهم “

ماكسميليان روبسبير
———————-

أعتقد ان (ماكسميليان) ودوره في الثورة الفرنسية كان الاكثر تناقضا وتعقيدا و الاكثر نفعا ايضا بين دروسها المستفادة
القراءه في دور هذا السياسي وحده وتطور شخصيته وصولا الى نهايته المؤسفة بعيدا عن باقي العوارض في أحداث الثورة تجربة مميزة جدا 

أكثر المشاهد اثارة في تجربة (ماكسميليان) هو المشهد الختامي بالتأكيد,

في الخامس من سبتمبر 1793 , ابتكرت هيئة الامن العام التي اختير لها (ماكسميليان) الفترة الاكثر تطرفا في الثورة الفرنسية, التي عرفت باسم ( عصر الارهاب)

حيث ارهاب الدولة تم اقراره كسياسة شرعية وقانونية تمارس ضد أعداء الدولة وقادة الثورة المضادة, و أعطى القانون لمقصلة الثورة الفرصة لتطال جميع الروؤس المخربة والمتأمرة و ترهب من تسول له نفسه الوقوف في وجه الثورة


So legislators, place Terror on the order of the day! Let us be in revolution


ورغم ان (ماكسميليان) الملقب في بدايات الثورة ب(العفيف) وأحد المؤسسين التنوريين للجمهورية, من عارض أحكام الاعدام في صراع تحرير العبيد, ومن وقف ضد انقلاب (ماركس دي لافييت) والحرب ضد النمسا, ستضطره الظروف كمتحدث عن هيئة الأمن العام ان يسوق التبريرات عن أهمية وحتمية قانون الارهاب في حماية المواطنين و الثورة

 ولخص دفاعه في خطابه الجماهيري ” ان الارهاب هو موجه من العدالة, هو خطير وغير مرن, ولكنه هنا فضيلة وتطبيق خفي للمبادئ العامة للديموقراطية سيخدم الاحتياجات الاكثر الحاحا في البلاد, ان حكومة الثورة يجب ان تنتهك حرية الطغاة ! ”

وتحت غطاء هذا التشريع, اندفعت اللجنة الديكتاتورية لتكوين القوات الثورية,و تبعته بقوانين مجحفة كاستيلاء الحكومة الجبري على محاصيل الفلاحين, ثم قانون (المشتبه بهم) للتنكيل العشوائي ب(أعداء الثورة) ثم قوانين لتحديد اسعار السلع والمرتبات , وعلى الجانب الاخر انطلقت المقصلة في حصد الاف الروؤس طالت في البداية بعض الارستقراطيين على رأسهم الملكة السابقة ماري انطوانيت ولكن كان النصيب الاكبر للعمال والعامة الذين وقعوا تحت تهم التمرد والتهرب والهجرة ! , قضت المقصلة على  16 الف راس منهم بينما قتل ما لا يقل عن 25 الف في حملات اغتيالات أخرى.

تملك اليأس في تقدم الثورة من (ماكسيميليان) الذي ما زال يؤمن بان  “لا رحمة مع الارهاب” وان “التباطئ في الاحكام يساوي الافلات من العقاب” , وفي تقريره عن مبادئ الاخلاق السياسية, اصر على الاسراع في ملاحقة اعداء الثورة, ومن بعد بدأ في توجيه سن (سم) المقصلة الى رفقاء الثورة وأشد الاحزاب دموية (هيبرت – دانتون) , وقبل ان ينجحوا في الانقلاب عليه, طالتهم المقصلة وقضت على قياداتهم في محاكمات ثورية بعد اتهامهم بالتخابر والعمالة لقوى خارجية!

وبلغ الجنون حده بعد 10 اشهر من بداية عصر الارهاب باصدار قانون الارهاب الاعظم, مقلصا العملية القضائية في خطوتين لا تعط للمتهم فرصة للدفاع عن نفسه, وتوسع دائرة الاتهامات لتمكن العدالة الثورية ان تطول اي مواطن بلا قيود, وتلخص القانون في العبارة الاشهر


Every citizen is empowered to seize conspirators and counterrevolutionaries, and to bring them before the magistrates. He is required to denounce them as soon as he knows of them.

 لكل مواطن الحق في القبض على العملاء واعداء الثورة وتقديمهم للقضاة بمجرد ان يتعرف عليهم.

 

وكان هذا القانون هو بداية النهاية, حيث بدأ الغضب الشعبي يتزايد على المجلس الذي يقوده (ماكسميليان) وعلى احكام الاعدام العشوائية الغير مبررة التي تصدر بشكل مستمر, واصبحت حياته هو شخصيا معرضه للخطر بعد محاولة اغتيال فاشلة اعدمت بالمقصلة صاحبتها هي الأخرى.

والان جاء الوقت, على المجموعة الباقية بالمجلس لتنقلب على بعضها, وفي خطابه الذي امتد لساعتين بدأ في الدفاع عن نفسه و انكار دعمه لسياسات اراقة الدم, ثم أخذ يتحدث عن مؤامرة جديدة تحاك ضد الثورة, ولكنها هذة المرة مدعومة من اعضاء بالمجلس نفسه, رفض ان يحدد أسمائهم. 

في هذة اللحظة استبقه اعضاء المجلس برد الاتهام عليه شخصيا بانه اصبح من اعداء الثورة, واصدروا امرا لقواتهم بملاحقته هو وأخيه كخارجين على القانون يمكن اعدامهم في خلال 24 ساعة دون محاكمة , واستمرت المطاردة في ساعات الفجر الاولى انكسرت فيها قدم اخيه محاولا الهرب من النافذة, وفشلت محاولة انتحار (ماكسميليان) بطلق ناري حطم فقط فكه قبل القبض عليه. ثم قضى الليلة منتظرا تنفيذ حكم الاعدام في نفس الغرفة التي اودع بها (ماري انطوانيت) قبيل اعدامها.

وفي الصباح كان ميدان (كونكورد) ( او ميادن الثورة -سابقا) الذي شهد تحطيم الثوار تمثال لويس الخامس عشر وتزينه اليوم مسله مصرية مهداة من الخديوي توفيق , على موعد مع استقبال مشهد النهاية حيث لم يخطأ الدور(ماكسميليان) فطالته نفس المقصلة التي لاحق بها ابناء شعبه وخصومه هو وأخيه و12 من اتباعه لتنهي مرحلة هي الأقسى والأسوء في تاريخ الثورة الفرنسية.

Image

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s