ثلاث طلقات عشوائية

892228-Gunandbullets-1432588003-738-640x480

انحنت وهي تدفع الغطاء تحمي صغيرها من البرد ثم طبعت على جبينه قبلة تتمنى له نوما هادئا , وقبل ان تغادر خارجة

امتدت يده الصغير تجذب ثوب امه , وتقرب وجهها اليه , يسر اليها بسؤال: (ماما هو بابا حيرجع بكره ؟)

 حدقت بوجهه واجمة , واحست بقطرات عينها تنازع الانفجار, تماسكت وبحنان اجابت: ان شاء الله بكره ..ادعي ربنا يجبهولنا تاني؟

 امتدت ذراعيه القصيرتين وحاولت احاطة حضنها تستمد منه امان وامل, غادرت حضن صغيرها و اسكنته بمنامه ..

 دلفت للخارج واغلقت الباب..


 باب المنزل ..

فتحه على مصراعيه …واخذ يدير رأسه مصطنعا …و ايضا يرسم ضحكته العريضة بحرفية لا تكشف , رفع يده بتلقائية  ومطت وجنتيه بسمته اكثر …لترسم بسمه على قلوب اصدقائه …حين صاح احدهم وهو يغادر درجات طابق بيته : “تصبح على خير يا بطل” , ومضوا جميعا سعيدين ان ادخلوا سرورا عليه

الباب اغلقه خلفهم .. ولم يغلقه …باحكام جائت امه لتوصده من بعده … وهو يمضى ويشعر بها خلفه تراجع عمله المنقوص

يتحسس الجدران قبل ان يصل غرفته ..ناداه صوت امه ..بنفس نداء كل ليلة:  عاوز تدخل الحمام يا احمد ؟!

 لم يقدر اليوم ان يجاوبها بالنكتة التي اعتاد القاءها عند سؤال كل ليلة

ومضى واجما الى غرفته


غرفته البسيطة مثل منزله لم تتغير منذ اخر ليلة قضاها فيها منذ عام.. سار ابوه العجوز بها ..كانها اميال تقطع يمر بكل بقعة ..ويقف لدى كل ركن يتذكره فيه …ضحكه وهزله وحزنه وكمده….يتذكر صوت (الكاسيت) العالى باغانية الغريبة ..ويتذكر مصحفه الذي لم يعد الا به يومها….يقلب اوراقه ..ويتقلب بين صوره اسفل زجاج مكتبه الصغير الذي لم تفارقه ملازم مراجعة الامتحانات بعد

لم يستطع ان يكمل بضع دقائق يتجول بغرفة ابنه اليوم …سقط بدنه على الكرسي الوحيد يحسبه لم يفقد دفأ ضناه بعد واشتم من بعيد رائحته تفوح من الدولاب


الدولاب فتحته ..

وصلت اليه بالكاد …قدميها تجرها خلفها تثقلهما الهموم والنكبة

اقنعت نفسها انها تبحث عن رداء النوم …لكنها فتحت دولابه هو … امسكت بملابسه هو .. تشممت رائحته هو ..داعبت  اناملها بدلته وياقة قميصه المطوي بانتظام كما احب دائما …القت برأسها على الكوفية التي لم تفقد لون الدم على اطرافها ولا رائحته في عبقها ….فلم تحتمل … اغلقت الدولاب خلفها … والتفتت …وهي خائفة ترتعد …الى الباب لصقت ظهرها


ظهره ..يدفع باب غرفته بقوة… يصرخ “مش عايز حد حوليه”..”.. ويده خانته كالعادة ..وامتدت مخطأة تفتح النور… فاغلقه …ومضى الى الامام .. هناك يعرف ان مقعده في مكانه …ازاح البلطو الابيض وجلس..

اليوم اراد بشدة

 امتلكت الرغبة كيانه …اراد ما فقده منذ عام كامل… علم انه لن يقدر ولن يصل …لن يرى ولن يشعر..لكنه اراد

صفحة “الويندوز” .. الكتابة على المتصفح…الشعار الازرق الذي يحمل عنوان الموقع … اصدقائه الذين ينتظرون كلماته

 وامتدت يداه..


 يداه امتدت…و وقف يستند بهما على دولاب ابنه ..

ثبت عيناه على ضحكته وسط اصدقائه في الصورة الكبيرة لهم على الشاطئ …والموج من خلفهم لا يعلم لما اخذ اللون الاسود

التقطت اذناه ..نداء زوجته … الذي لم يتوقف … ليال طويلة طول السنة… لم يتوقف….تنادي …من لن يجبها … ولم يجبها طوال السنة …وكل السنين القادمة من عمرها… يغضب (الاب) من ضعفه ومن حزنها.

يقطع تأمله …ويسرع في هدفه الذي سوف يسكت الام الحزنى …يفتح دولاب ابنه الصغير…. وينظر..


نظرت الى اخر الغرفة ..

هناك جوار السرير..

الصورة ..

صورة زوجها..

الشهيد…

صورتهما سويا التي حملت الشارة السوداء على طرفها..

الصورة لم تعد في مكانها ..

هلعت..وهرعت تجري ….لم تجدها …صرخت وسقطت تبكي…غادرت الصورة ورحلت ..

ويدا ” احمد ” لم تجد لوحة المفاتيح…لم تجد الجهاز كله …المكتب خالي

الجهاز فقد… تعثر…وقع من كرسيه …صرخ …ضرب وطاح سطح مكتبه … سرق منه ورحل..

وعينا “الأب” لم تسقط على قميص ولده الذي ارتوى بدماءه … و فاح برائحته ….قلب ارجاء الدولاب الصغير فلم يجده

ثار وصرخ وغضب…… وسقط فبكى …وعجز فارتمى … وزرفت عيناه دما…..لقد ضاع الولد …وسرق منهم اثره..


 القى بجسده على سريرة الوثير متثائبا مستدعيا نوم طويل….فقط امتدت يده الى سلاحه الميري اسفل مخدته يتفقد “ان لم يره احد” …و امتدت اليد نفسها الى الدرج الذي يجاور السرير تتأكد ان فوارغ الطلقات الثلاث لم تغادر مكمنها في امان مثله ..تهنأ براحة لا يؤنبها ضمير ولا تخشى على امانها حق يفزعها غدا..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s