الطريق الى زمبابوي

الطريق الى زمبابوي

مصائب الدول لا تأتي هي الأخرى فرادى, وحين تستعر نيران الازمات والحروب لتاكل الحياة ومعالم البلاد , تندثر الثقافة كما الانسان, وتبدل الخريطة كما العلم, وحتى العملة المحلية التي ارتبطت معيشة الناس بصورتها تصبح بدورها عرضة للاختفاء من ملامح الوطن. دولاٌ كثيرة ممن عانت تدهورا أقتصاديا, أفقدها الكساد والتضخم عملتها المحلية وأستبدلت بعملات أجنبية أكثر ثباتا.

كيف تنهار العملة؟ وهل يأتي يوم على شعب ليحرق عملته المحلية في نيران المدفأة؟!

سؤال الطفولة: كيف تطبع النقود؟

راود هذا السؤال الكثير منا في بداية تعرفنا على النقود: لماذا لا تطبع الدولة النقود بلا توقف حتى نصبح جميعا أغنياء؟

دعنا نرى (العملة النقدية) وكأنها عقد يتحول لدين ما بين الدولة والمواطن, يؤدي المواطن خدمة (أو بضاعة) الى الدولة ويأخذ في المقابل العملة (العقد) التي تتعهد فيها الدولة لحاملها بسداد القيمة المالية الموقعة على العملة , ومن ثم يتناقل المواطنون فيما بينهم العملة (الدين) كوسيلة لتبادل الخدمات والبضائع. المشكلة تحدث حينما تصدر الدولة هذة العملة (الدين) دون أن تمتلك ما يمكنها من السداد أو ما يعرف بأسم الغطاء النقدي (أوغطاء الذهب).

الدول التي تعاني من انهيار اقتصادي يديره سياسيون فاشلين تلجأ الى هذا السلوك المختل, بطباعة نقود لسداد عجز الموازنة دون أن يمتلكوا غطاء نقدي موازي لسداد قيمة ما يصدروه من ديون (عقود) للمواطنين المتعاملين بالعملة المحلية, فتكون النتيجة أن تزيد النقود عن حقيقة الدخل القومي, فتصبح النقود أكثر من الخدمات والبضائع المعروضة, فتقل مباشرة قيمتها بارتفاع الأسعار, وتصبح قيمة البضاعة التي كلفتك الف ليرة بالأمس تساوي الفين ليرة اليوم وهو ما يعرف اقتصاديا بالتضخم المالي.

الاقتصاد المفتوح وسوق تبادل العملات

لو افترضنا أننا نعيش في أقتصاد مفتوح على العالم الخارجي, ماذا اذا يحدث لو حولنا العملة المحلية الى أخرى أجنبية بمجرد طباعتها ؟!

العملات في أسواق تبادل العملات (الصرافة) مثلها مثل أي بضاعة, تتحكم فيها معدلات العرض والطلب, فيكون رد الفعل الطبيعي سواء على تدفق المواطنين على مكاتب الصرافة لاستبادل العملة المحلية بأجنبية أقوى أو على سحب الدولة من رصيدها من العملات الأجنبية هو أنخفاض سعر العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية. وهذا الأثر بالطبع يحدث بمجرد تزايد دين الدولة الخارجي وتهاوي معدلات نمو الاقتصاد. وتظل المعادلة محكومة بقيمة الانتاج المحلي الذي تصدره الدولة للعالم الخارجي والذي تزيد على أساسه أما حصيلة الدولة من العملات الأجنبية أو سعر العملة المحلية لتزايد الطلب عليها -ان تم تحديدها كعملة شراء للصادرات-. فلا يكترث سوق المال لك مهما طبعت من أموال انما يكترث بأداء الاقتصاد وقيمة الصادرات القومية الى الواردات القومية.

ماذا حدث في زمبابوي والمجر !

أهلا بكم في زمبابوي, فقدت البلاد منذ ثلاثة أشهر فقط عملتها المحلية تماما. ضع خمسة عشر صفرا على يمين 175 من الدولار الزمبابوي, ويمكنك أن تستبدل تلك الثروة بخمسة دولارات أمريكية. فهذا هذا هو حجم مأساة التضخم التي وصلت اليها هذة العملة.

https://i1.wp.com/www.zimbabwe-holidays.com/images/currency.jpg

بدأ الأمر مع قرار الرئيس (روبيرت موجابي) , الذي يحكم البلاد منذ 1987, بمنح أراضي زراعية كان يمتلكها مواطنون (بيض) جبريا الى مواطنين زمبابويين أصليين (سود). في عام 2000 بدأت الأزمة في التضخم مع انهيار القطاع الزراعي بالبلاد نتيجة رد فعل الملاك القدامى وكذلك قلة خبرة الملاك الجدد وتحولت زمبابوي من بلد مصدرة الى بلد تستورد المحاصيل الزراعية مما تسبب في نسبة بطالة تجاوزت 94% وبالطبع بداية التضخم المخيف. في عام 2008 كانت الأزمة في قمتها, حين كانت تكلفة رغيف الخبز تعادل تكلفة 12 سيارة منذ 10 أعوام فقط, وكانت الأسعار تتضاعف في البلاد كل 25 ساعة في حالة تضخم من الأكبر في تاريخ البشرية. وبدأ أستعمال الدولار الأمريكي بالفعل كعملة تعامل رئيسية –بجانب عملات أجنبية أخرى- منذ عام 2009 وظل الدولار الزمبابوي فقط أسير المعاملات الهامشية أو الشراء التذكاري طوال الستة أعوام الماضية.

https://i2.wp.com/news.xinhuanet.com/english/2015-06/11/CnbbeeE003002_20150611_BNMFN0A001_11n.jpg

حالة التضخم الأكبر في تاريخ البشرية كانت من نصيب المجر بعد الحرب العالمية الثانية. ظلت المجر خارج دائرة دمار الحرب العالمية الثانية حتى عام 1944 حينما أصبحت أرضا لمعارك ضارية بين روسيا والمانيا دمرت خلالها 90% من القدرات الصناعية للبلاد, وتم تدمير وسائل المواصلات أو الاستحواذ عليها من أحد طرفي الصراع. أنتهجت الحكومة المجرية سياسة متطرفة في محاولة احياء الاقتصاد بعد الحرب, حين أرتفعت الأسعار مع قليل الخدمات والمنتجات المعروضة, كانت الأموال تطبع بكثافة لمحاولة انعاش السوق وتدوير الأموال, فبينما كان اجمالي المال السائل بالسوق في يوليو 1945 يعادل 25 بليون بينجو, تزايد في يناير التالي الى 1645 تريليون وتواصلت الزيادة الجنونية في طباعة النقود حتى وصلت بعد عام واحد الى 47 سيبتليون (تريليون تريليون) بينجو في الأسواق. بالطبع تزايدت الأسعار يوميا بنسبة 150% فتوقفت الحكومة عن جمع أية ضرائب لافتقاد القدرة على تقديرها حسابيا. ومع أغسطس 1946 قدمت عملة جديدة و كان مصير البينجو أما صفائح القمامة أو غرف التدفئة!

عملات عربية في مهب الريح

لم تكن الليرة السورية ولا الجنيه المصري بحالة ممتازة على أية حال قبل بداية ثورات الربيع العربي. فمنذ الثمانينيات كانت السياسة النقدية بالبلدين تتراجع بالعملة باستمرار. فبينما عادل الدولار الأمريكي 3.92 ليرة سورية بعد الاستقلال وصلت قيمة الدولار في تشرين الأول 2010- قبل الثورة- الى 44.57 ليرة. بينما الجنيه المصري الذي طالما تفوق على الدولار الأمريكي منذ القرن الثامن عشر بمعدلات تراوحت ما بين 3 قروش من الجنيه المصري وحتى 80 قرش مقابل الدولار في عام 1990 حين تفوق الدولار الأمريكي أخيرا ليعادل جنيه مصري ونصف. ثم تضاعفت قيمة الدولار في عام واحد لثلاثة جنيهات 1991 . ثم تظل الزيادة المضطردة في قيمة الدولارعلى مدار حكم الرئيس الأسبق (حسني مبارك) لتصل لقرابة 6 جنيهات للدولار الواحد. و أثناء سنوات الثورة وحتى اليوم ظل مسلسل الزيادة كانعكاس للأزمة -كما هو استكمالا لتدهور الاقتصاد- حتى وصل الى أقصى معدلاته تاريخيا في تشرين الأول 2015 متجاوزا حاجز الثماني جنيهات للدولار الأمريكي.

تراجع العملة و زيادة التضخم هي اثارا طبيعية لأحداث الثورة والحرب. فقد انكمش ناتج الاقتصاد السوري بشكل عام بمقدار 60% منذ بداية النزاع عام 2011, وتهاوت الصادرات من 12 بليون دولار الى 2 بليون دولار, (وفق تقرير المعهد البريطاني الملكي للشئون الدولية Chatham House). تلك الظواهر وغيرها أجبرت الاقتصاد على التراجع والحقت بالعملة خسارة 80% من قيمتها. وظل الارتفاع في سعر صرف الدولار الأمريكي متتابعًا طوال السنوات الماضية ليصل في أيلول الماضي إلى 318 ليرة سورية في السوق الرسمي. رغم محاولة الجهاز المصرفي السوري التماسك ونجاحه في تحقيق استقرار نسبيا في سعر الصرف مقابل الدولار خلال العام الماضي بين 150-160 ليرة من خلال تجريم التعامل بالدولار الأمريكي و محاصرة السوق السوداء, الا أن هناك اتهامات قوية لاستغلال النظام للمصرف المركزي لتمويل حربه من مدخرات السوريين من خلال عمليات طبع للنقد بلا غطاء والتدخل في تقارير المصرف المركزي ليضيف الى المسئولية السياسية عن الانهيار تدخل اقتصادي مخل أدى الى وصول العملة الى منحدر خطر جديد.

ظهر استعمال الدولار الأمريكي أو الليرة التركية في بعض المعاملات التجارية الكبرى منذ بداية الأزمة كرد فعل طبيعي للمستثمرين والأفراد للحفاظ على ثرواتهم, لكن فكرة استبدال الليرة كعملة محلية بدأت مؤخرا في الصعود بشكل أكثر جدية مع ما أزيع عن أصدار تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) لعملة تداول جديدة, أو ما صرحت به “اللجنة السورية لاستبدال عملة التداول في المناطق المحررة” التابعة للمعارضة في مدينة حلب عن خطتها لاستبدال العملة المحلية بالليرة التركية وتعميم النموذج على المناطق (المحررة) بالشمال السوري كوسيلة لضرب اقتصاد النظام وتوثيق العلاقات الاقتصادية مع تركيا وكذلك النجاة من مركب الليرة الغارقة.

https://i2.wp.com/www.journalists.at/wp-content/uploads/2016/01/temp89.jpg

يظل حال الجنيه المصري نسبيا أفضل من شقيقته السورية, فالناتج الاجمالي المحلي بمصر قد استطاع ان يرفع معدل نموه في نهاية 2014 الى 6.8% وهو معدل استنثائي تجاوز حتى معدلات ما قبل الثورة,لكن للأسف ومع بداية 2015 بدأ التراجع يعود لمعدلات النمو ليعكس وضعا سياسيا لا يتجه الى استقرار مطمئن ,فتمثلت صورة التراجع في أزمة الدولار الأخيرة التي استدعت تدخل سيادي ازاح بمحافظ البنك المركزي المصري السابق وأتى بالسيد طارق عامر الذي أثمرت مجهوداته الأولية في اعادة التحكم في معدلات صرف الجنية المصري. وتظل الادارة المالية والنقدية حائرة بين خيارات دفع عجلة الاستثمار والتحكم في سعر صرف الجنيه والغلاء الناتج عنه في السلع الأولية. فمن ناحية يرتكز الاستثمار بشكل كبير على واردات تتراوح بين سلع ترفيهية كالكفيار –الذي يستهلك 80 مليون دولار سنويا- يمكن وقف استيرادها أو مواد أولية كدفع شراء معدات محطات الطاقة التي يعاني فيها المستثمرين الذين حجرت الدولة على معدلات سحبهم للعملة الصعبة من البنوك, وتبدو السياسات النقدية تفضل على حسابها دعم كثير من الصفقات والمشاريع المدعومة سياسيا و التي انهكت رصيد الدولة الصعبة. يقف احتياطي النقد الاجنبي المصري في موقف محرج وصعب بين مشروعات قومية طموحة وصفقات تسليح ثقيلة تسحب من رصيده, وبين عوائد سياحة ومغتربين تتقلص بحدة في السنوات الأخير, وتشجيع ظاهري من الدولة للاسىثمار الخاص لا يسمع صداه عند المستثمرين الجادين خارج الأجندة السياسية.

يعد تشابك أوراق الاقتصاد والسياسة في مصر هو من أكبر معضلات الوصول الى حل مطمئن لأزمة الجنيه, قيام القوات المسلحة بدورين محورين له مخاطره, سواء في الصورة السياسية كطرف سيادي يظهر كمسيطر على الوضع ويثق العامة والمستثمرين فيه كضامن للاستقرار, ولكنه مرفوض داخل التيار الديموقراطي وكذلك الاسلامي فضلا عن المتنازعين على شركاته من داعمي النظام الحالي, كما في الصورة الاقتصادية يظهر كشريك قادر على الانجاز وموثوق في التزامه بالتعاقدات طويلة الأمد, ولكنه معرضا في نفس الوقت لاختيارات سياسية بحتة قد لا ترتكز على جدوى اقتصادية حقيقة فتضر بمصلحته أو مصلحة الاقتصاد القومي اجمالا.

sxsd

بلا شك, تواجه الليرة كما الجنيه خطرا مضاعفا بين مطرقة التدهورات الاقتصادية وسياستها المختلة وسندان التدخلات السياسية وأطماع الدول التي تغرز أنيابها في الداخل السوري والمصري على حد سواء. ومع تواصل تلاعب النظام السوري بسياسات الصرف وتهديد المعارضة بالاستبدال في مناطقها فان الحديث عن يوم قد تختفي فيه الليرة من ملامح الوطن نهائيا لا يعد ضربا من المبالغة أو الخيال السوداوي. كما أن تعثر الاقتصاد المصري اذا ما صاحبه -أو أدى الى- انهيار الاستقرار السياسي المزعوم فان حدود واثار التدهور الذي يمكن أن تصل له العملة ليس ببعيد لا عن السيناريو السوري ولا عن سيناريوهات أكثر سوداوية كزمبابوي والمجر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s