خطيئة الوعي- 1 – ميزة أنك تعيش حمار

ميزة أنك تعيش حمار -1

تعتبر شتيمة الحمار من الطرق الكلاسيكية في الاهانة اللي لسه محتفظه بمعناها وبريقها حتى مع الطفرات السافلة والمنحطة في اللغة

لسه مفيش توصيف قدر يتجاوز بلاغة التعبير في وصفك بكائن بائس زي الحمار

لكن اللي ممكن يبقى أسوء من أنك تبقى حمار..أنك تبقى عارف أنك حمار

تبقى مدرك أنك حمار و واعي بكده

لو قلتلك تتخيل حياة حمار عايش في مصر

مش بني ادم حمار, لكن حمار بجد.

حمار تقليدي ببردعة بيتساق ويجر عربية كارو راكبها بني ادم حمار بيعامله أسوء ما بيعامل شبشبه وبيستعمل ضده أعلى درجات التسلط والغباء البشري الممكنة.

ده يمكن منظر عادي غير جذاب متعودين عليه ومحدش عنده استعداد يتأمل فيه

لكن

تصور دلوقتي أن الحمار ده واعي, مدرك لنفسه ولمحيطه, أنه عارف هو ايه وحاسس مش بس ماديا وبدنيا باللي بيمر بيه, ولكن نفسيا كمان!

 حاسس أن المخلوق البشع المتسلط العربجي ده متحكم في حياته وبيمارس غباوته وسطوته على كيانه ومعيشته

من أول الركن اللي بيسيبه ينام فيه,

للعلف اللي بيطفحهوله

, لعدد ساعات الشغل وطبيعته.

حاول تتخيل أن الحمار ده مستوعب هو ايه وفين وفاهم ده, تخيل الحالة النفسية اللي بيعيشها.

لو هتاخد نموذج الحمار الواعي ده وتقارنه بأي حد متعسف في أهل أو شغل أو بلد هتلاقي أن مستوى المأساة عند الحمار أعلى كثير.

فكَر في احاسيس القهرة اللي بيشعر بيها, تقديره لذاته, فلسفته عن سبب وغاية وجوده, غلبته على أمره و احساسه بالظلم وسوء المعاملة, وانقطاع أمله أن أي حاجة هتنصلح في أي مستقبل قريب أو أن هيكون ليه نهاية أفضل من أنه يترمي في ترعة أو مصرف ميت من الاهمال والمرض والجوع بعد ما جلده ولحمه ما اتشوه ضرب وشيل وسلسلة عذابات ما بتخلصش.

لحسن حظ الحمار وسوء حظ الانسان أن الحمار مش واعي والانسان في الأغلب واعي!

 

الميزة الحقيقة اللي اخدها الحمار عن كل انسان معذب في الدنيا ديه, أنه معندوش وعي بذاته, أن حتى الالام البدنية المادية بتصبح جزء منه وبتضعف اثارها عليه  مع الوقت في حين ان الانسان الحمار, أو اللي عايش زي الحمار, مشكلته أكبر كثير, أنه مهما حاول مش هيقدر يلغي وعيه, أنه محتاج وقت وتجربة قاسية جدا عشان يبرمج نفسيته على تقبل القهر والظلم والحياة العدمية وعمره ما هيضمن أبدا انقطاع شعوره بذاته ومأساوية عيشته. هيفضل فيه دائما جزء من انسان حاسس ومدرك وقادر أنه يتألم!

مفتاح المأساة اذن في الوعي

وتعقيد المسئلة في أنه: كما أن الالم والمعاناة أشياء نسبية تتراوح بين “مين أخد الماج بتاعي” وحتى “حكم ظالم بالسجن مدى الحياة مع الشغل” فكذلك الوعي بالالم نسبي, وأن فيه ناس ممكن في ظروف مختلفة تنتحر بنفس السببين المتباعدين تماما دول.

الوعي سلاح ذو حدين, من ناحية أنت ممكن يتكتب عليك البؤس مدى الحياة حتى لو حياتك (( في المطلق )) مش بائسة قوي ومشاكلك تافهة نسبيا, وعلى الناحية التانيه, فحتى لو كانت فعلا مأساتك مفجعة الى اقصى مدى فممكن تواصل حياتك مبسوط, أو أغلب الوقت سعيد لو امتلكت قدرة تغييب وعيك بطريقة ما,

السلاح ده الناس كلها بتستعمله بشكل لاوعي بالفعل, واخترعت البشرية أدوات لا تحصى لتغييب الوعي من أول الكيمياء للأديان للفن.

لكن معانات ناس كثير بتضاعف لما بيجهلوا أصل الأدوات ديه وترابط وجود الالم النفسي والوعي وبيلاقوا نفسهم مرمين في عشوائية الحياة ودوايرها البائسة. وحتى مع وجود أدوات التغيب, هم عاجزين عن استعمالها أو أنقاذ نفسهم.

لو ترجع بالزمن للانسان البدائي وتشوف حياته هتلاقي أول خيط الحل. نفس السؤال اللي بيطرح النهارده ليه (السويد) الدولة الاسكندنافية الغنية المتحضرة اللي عندهم متع الدنيا كلها مال وجمال وخضرة و وجه حسن توجد عندهم معدلات انتحار أعلى من بلد شعبه بائس زي (مصر) مثلا؟

الموضوع ممكن يتفسر لو قارنت الانسان البدائي اللي عاش من الاف السنين على حياة الصيد بالانسان المعاصر.

وقتها كان أخر فكرة ممكن تطرح على دماغ البدائي ده أنه ينتحر!

ليه ؟

لأن الموت سهل وقريب جدا من أنه يتحول لفانتازيا ! … هو أصلا مبيعملش حاجة في حياته من اول ما يصحى ما النوم لحد ما ينام بالليل في الكهف قدام النار غير أنه بيهرب من الموت جوعا أو قتلا أو بردا ان لم يكن من مرض ما.  الانسان البدائي بالطبع لا يمر بالمعاناة النفسية السخيفة اللي بيقع فيها الانسان المعاصر. بص كده على مصادر التعاسة في حياتنا وقارنها:

البنات؟ … المسئلة وقتها كانت قبل اختراع الرومانسية, والعلاقة مع الجنس الاخر كانت على طبيعتها وبساطتها الجنسية البحتة, ومتجردة من كل تفاصيل المطاردة المملة, فقط تحقق الندرة النوعية لك كذكر كافي بانجاز المسئلة كلها,تكوين بسيط للأسرة, منظومة حقوق و واجبات وقواعد تعامل واضحة وسلسلة بين الذكر والأنثى لا تخلف أي قدر يذكر من التعقيد أو الغموض النفسي.

الشغل والفلوس؟ …معندكش وقتها اختيارات من الأصل, أما أن تكون صياد أو فريسة!

لا صعوبة في اختيار مسار دراسي أو وظيفي ولا حاجة لاستماع الى برامج التحفيز للعثور على وظيفة الاحلام, كل شئ بسيط ومحسوم والخيارات محدودة وغير مربكة

النظام الاجتماعي والمالي والثقافي خالي من مساحات الفراغ  اللي ممكن تسمح لنشأة اي فكر أو مشاعر سلبية أو حتى ايجابية, لا يوجد الا نشوة الحياة والافتراس وتزعم غريزة البقاء.

الانسان البدائي و زيه الانسان المصري صاحب معدلات الانتحار المنخفضة, مهموم ومشغول بضروريات بقاءه هو وعيلته وبيصارع الحياة كل يوم, هو مشغول بشكل مهول خلى وعيه بالحياة التعيسة اللي بيعيشها شئ مهمش بيحس بيه في لحظات قليلة قبل ما نعاس أخر اليوم ما يقضي على فصل جديد من كتاب حياته يا عين اللي مبيطلش دوران في الساقية.

العمل اذن هو الاداة الطبيعية اللي قدرت تكافح الأسى الناتج عن وعي الانسان بنفسه. ومن هنا ممكن أن تدرك لماذا كل هذا التحفيز المجتمعي لك كي تعمل, وأن تجد العمل الذي يرضيك, وأن تحقق ذاتك, وأن تنجح!

لتدرك الأن أن هذا كله لا يصب الى هدف حقيقي, وأن لا هدف حقيقي سوى الهائك, الهائك عن وجودك و وعيك, أن تصب مشاعرك وفكرك وكيانك كله في عمل يأكل أقصى ما يمكنه من وعيك, فلا يتبقى الا قدر قليل يشتته التليفزيون وخطيب الجمعه فتعيش حياة سوية بلا بؤس لتموت في النهاية كحمار سعيد لم يذق من التعاسة يوما.

 ولكن لأسف المجتمع الانساني تطور ومازال يتطور.

الانسان لم يعد بدائيا, الانسان أصبح يعيش في مجتمعات متحضرة, فبدلا من الصيد أصبح هناك الاف المسارات التعليمية والمهنية, وبدلا أن تعيش في سلام تحت تسلط زعيم القبيلة أو الدولة أو الكاهن منزوع المسئولية ومنساق في الطاحونة التي ولدت لتعمل بها, أعطتك المدنية اليوم حق الاختيار, أن تختار أسمك ودينك و دراستك و وظيفتك و رئيسك.

حرمك التقدم التكنولوجي وجنوده من الماكينات الالية من درعك الأول, من العمل الشاغل, المجتمع الأن يطاردك بحمايتك من “الدونكي وورك” بنقمات الحد الادنى للاجور, وقوانين العمل, وحقوق العمال, ويومي عطلة في الأسبوع, و شهر عطلة في السنة, و 8 ساعات حد أقصى في اليوم.

المدنية المجنونة وصلت بالفعل ببلاد أن تهب لمواطنيها اعانة بطالة غير مشروطة!!

هذا الانسان المسكين سيكون عليه اليوم أن يدفع ضريبة الرفاهية من سلامه النفسي, وأن يجد لنفسه سلاح جديد يأكل به وعيه لذاته قبل أن يلتهم ما تبقى من السعادة في حياته.

يتبع

يا دي المشاعر-شيرين

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”خطيئة الوعي- 1 – ميزة أنك تعيش حمار

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s